السيد هاشم البحراني
441
البرهان في تفسير القرآن
« وما عساهم يقولون في أخي وابن عمي علي بن أبي طالب ؟ » . فقالوا : يقولون : أي فضل لعلي في سبقه إلى الإسلام ، وإنما أدركه الإسلام طفلا ، ونحو هذا القول . فقال ( صلى الله عليه وآله ) : « أفهذا يحزنكم ؟ » قالوا : إي والله . فقال : « تالله أسألكم : هل علمتم من الكتب السالفة أن إبراهيم ( عليه السلام ) هرب به أبوه من الملك الطاغي ، فوضعته « 1 » أمه بين أثلاث « 2 » بشاطئ نهر يتدفق « 3 » بين غروب الشمس وإقبال الليل ، فلما وضعته واستقر على وجه الأرض قام من تحتها يمسح وجهه ورأسه ، ويكثر من شهادة أن لا إله إلا الله ، ثم أخذ ثوبا فامتسح به ، وأمه تراه « 4 » ، فذعرت منه ذعرا شديدا ، ثم مضى يهرول بين يديها مادا عينيه إلى السماء ، فكان منه ما قال الله عز وجل * ( وكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأَرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْه اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ) * إلى قوله : * ( إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) * . وعلمتم أن موسى بن عمران ( عليه السلام ) كان فرعون في طلبه ، يبقر بطون النساء الحوامل ، ويذبح الأطفال ليقتل موسى ( عليه السلام ) ، فلما ولدته أمه أمرت أن تأخذه من تحتها ، وتقذفه في التابوت ، وتلقي التابوت في اليم ، فبقيت حيرانة حتى كلمها موسى ( عليه السلام ) وقال لها : يا أم ، اقذفيني في التابوت ، وألقي التابوت في اليم . فقالت وهي ذعرة من كلامه : يا بني ، إني أخاف عليك من الغرق . فقال لها : لا تحزني ، إن الله رادني إليك « 5 » . ففعلت ما أمرت به ، فبقي في التابوت في اليم إلى أن قذفه إلى الساحل ، ورده إلى أمه برمته ، لا يطعم طعاما ، ولا يشرب شرابا ، معصوما - وروي أن المدة كانت سبعين يوما . وروي : سبعة أشهر - وقال الله تعالى « 6 » في حال طفوليته : ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُه فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ) * « 7 » الآية . وهذا عيسى بن مريم قال الله عز وجل : فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) * إلى قوله : إِنْسِيًّا « 8 » فكلم أمه وقت مولده ، وقال حين أشارت إليه قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّه آتانِيَ الْكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا وجَعَلَنِي مُبارَكاً « 9 » إلى آخر الآية ، فتكلم ( عليه السلام ) في وقت ولادته ، وأعطي الكتاب والنبوة ، وأوصي بالصلاة والزكاة في ثلاثة أيام من مولده ، وكلمهم في اليوم الثاني من مولده . وقد علمتم جميعا أن الله تعالى خلقني وعليا من نور واحد ، وإنا كنا في صلب آدم نسبح الله تعالى ، ثم نقلنا
--> ( 1 ) في المصدر : فوضعت به . ( 2 ) الأثل : شجر طويل ، مستقيم ، يعمّر ، كثير الأغصان متعقّدها ، دقيق الورق . « المعجم الوسيط - أثل - 1 : 6 » . ( 3 ) وفي رواية : نهر يتدفّق يقال له : حرزان « منه قدّس سرّه » . ( 4 ) وفي رواية : فاتّشح به وأمّه تراه . « منه قدّس سرّه » . ( 5 ) في المصدر زيادة : فبقيت حيرانه حتّى كلَّمها موسى ، وقال لها : يا امّ اقذفيني في التابوت وألقي التابوت في اليم . ( 6 ) في « س » و « ط » : اللَّه ربّي . ( 7 ) طه 20 : 39 - 40 . ( 8 ) مريم 19 : 24 - 26 . ( 9 ) مريم 19 : 29 - 31 .